أحمد أمين
66
كتاب الأخلاق
لأنهم يعتقدون أن ليس عليهم في الأجانب سبيل فلا يرون خطأ قتلهم ، ولا من الواجب عليهم حفظ حياتهم . ونحن نحكم الآن بخطأ هذه العادات ونستنكرها ، وإذا كان العرف كثيرا ما يكون خطأ ولا يصح أن نتخذه مقياسا لأعمالنا نعرف به الخير والشر . وأيضا لو أن الناس جروا على هذا المبدأ لم يتقدم العالم عما كان عليه من قديم ؛ لأنه إنما يتقدم بأولئك القوم الذين يرون خطأ ما عليه قومهم ، وعندهم من الشجاعة ما يمكنهم من أن يخالفوا العرف ويدعوا للحق ، فيجاهرون بالمخالفة ، وينددون بالقديم ويعرضون أنفسهم للأذى ، فيلتف حولهم كثير من الناس ، ويأخذ رأيهم في الانتشار حتى يحل الجديد الحق محل القديم الخطأ . على أن جرى الناس على هذا المقياس مع عدم صلاحيته كان له بعض الفائدة ، فقد منع الناس أن يصادموا العادات الصالحة ، فكم من ممتنع من السرقة وشرب الخمر لم يمتنع إلا جريا مع العرف وخوفا من بيئته تنتقده وتحتقره . 2 - مذهب السعادة « 1 » : بعد أن بحث الفلاسفة في مقياس الخير والشر بحثا علميا ، ذهب بعضهم إلى أن المقياس هو السعادة ، أي أن السعادة هي الغاية الأخيرة للحياة ، وإن شئت فقل : هي غاية الغايات للإنسان ، ويعنون بالسعادة اللذة والخلو من الألم ، فاللذة عندهم هي مقياس العمل ، فالعمل خير بمقدار ما فيه من اللذة وشر بمقدار ما فيه من الألم . وليس مذهب السعادة يقول : إن الإنسان ينبغي أن يطلب اللذة فحسب - لأن كل عمل لا يخلو من لذة - بل يقول : ينبغي أن يطلب أكبر لذة ، فإذا خير الإنسان بين جملة أعمال وجب أن يختار أكبرها لذة . وينبغي عند تقرير اللذة مراعاة شيئين : الشدة والمدة . وكذلك الألم ، فإنه يعتبر لذة سالبة ، فإذا كان عندنا ثلاث لذائذ تقدر على التوالي ب 3 و 4 و 5 ، فإن اللذة التي مقدارها 5 تفضل التي مقدارها 3 أو 4 ، 3 +
--> ( 1 ) يسمى هذا المذهب ) msinodeH ( .